سيد محمد طنطاوي
161
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والحق أن ما ذهب إليه كثير من المفسرين من أن سليمان - عليه السلام - شغل باستعراض الخيل عن صلاة العصر ، وأنه أمر بضرب سوقها وأعناقها . . لا دليل عليه لا من النقل الصحيح ولا من العقل السليم . . وأن التفسير المقبول للآية هو ما ذكره الإمام الرازي والإمام ابن حزم ، وما سبق أن ذكرناه من أن المقصود بقوله - تعالى - : * ( فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ والأَعْناقِ ) * إنما هو تكريمها . . وأن الضمير في قوله : * ( حَتَّى تَوارَتْ ) * يعود إلى الصافنات لأنه أقرب مذكور . ثم تحدثت الآيات الكريمة بعد ذلك عن فتنة سليمان - عليه السلام - فقال - تعالى - : * ( ولَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّه جَسَداً ثُمَّ أَنابَ . . ) * . وقوله : * ( فَتَنَّا ) * من الفتن بمعنى الابتلاء والاختبار والامتحان . تقول : فتنت الذهب بالنار ، أي : اختبرته لتعلم جودته . . قال الآلوسي : وأظهر ما قيل في فتنة سليمان - عليه السلام - أنه قال : لأطوفن الليلة على سبعين امرأة . تأتى كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل اللَّه - تعالى - ولم يقل إن شاء اللَّه . فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة وجاءت بشق رجل . وقد روى ذلك الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعا ، وفيه : « فوالذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء اللَّه لجاهدوا فرسانا » . ولكن الذي في صحيح البخاري أربعين بدل سبعين . وأن الملك قال له : قل إن شاء اللَّه ، فلم يقل - أي فلم يقل ذلك على سبيل النسيان . . والمراد بالجسد ذلك الشق الذي ولدته له . ومعنى إلقائه على كرسيه : وضع القابلة له عليه ليراه « 1 » . وقد ذكروا أن سليمان : إنما قال : « تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل اللَّه » على سبيل التمني للخير ، وطلب الذرية الصالحة المجاهدة في سبيل اللَّه . ومعنى « فلم يقل » أي : بلسانه على سبيل النسيان ، والنسيان معفو عنه ، إلا أن سليمان - عليه السلام - لسمو منزلته اعتبر ذلك ذنبا يستحق الاستغفار منه ، فقال بعد ذلك « رب اغفر لي . . . » .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 23 ص 198 .